السيد محمد تقي المدرسي

316

من هدى القرآن

به تفكيره ومنطقه في الحياة ، وهو الذي يهديه للتي هي أقوم كما نعته عز وجل ، ولأن إثارة العقل بالتفكير في آيات الله ليلا يرسم السبيل للمنطق الأقوم عند السبح والكلام في النهار ، وكأن الليل في أواخره أنسب للعلم . وإذا اعتبرنا القرآن من مصاديق القول الثقيل الذي ألقاه الله على رسوله وعلى أتباعه فإن ناشئة الليل التي تهيئ القلب لاستقباله تجعله أهيأ وأصلح لفهم معانيه وثبوته فيه والعمل به . [ 7 ] إن مسؤوليات الليل تتكامل - في منهج المؤمن - مع مسؤوليات النهار الذي يستوعب انتشارا واسعا ، وسبحا طويلا « إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلًا » هناك رأيان كلاهما ينتهي لعلاج التوهم بالتناقض بين مهام الإنسان في الليل ومهامه في النهار ، فالإسلام يعتبر الاثنين يتكاملان : الرأي الأول : السبح بمعنى : المهام والعمل ، يقال : سبح القوم : تقلبوا وانتشروا في الأرض ، فكأن القرآن يريد القول لنا : أن للمؤمن مسؤوليتين : إحداهما بالنهار على عشرات المهام والأمور ، والأخرى بالليل تتحدد بقيامه ، ومهما كانت المسؤولية في النهار كبيرة : طلب علم ، أو جهاد في سبيل الله ، أو سعي للرزق الحلال ، فإنه من الخطأ استعاضة مسؤولية الليل بالنهار ، لأن العالم لو لم يخلص لكان ضرر العلم عليه وعلى الناس أكبر من نفعه ، والذي يجعل العلم مفيدا ، والعالم ملتزما برسالته في الحياة - فلا يُزَيِّف الحقائق ، ولا يبيع نفسه وعلمه على أية حكومة وطاغية ومترف - هو الإيمان الذي يستلهمه من قيام الليل . إن حاجة المؤمن لقيام الليل في أي خندق كان هي حاجة ملحة وأكيدة ، لأن سبحه الطويل بالنهار جسد لا بد له من عقل وروح لا يجدهما إلا في الاتصال بالله واتباع وحيه . وإنه لخطأ فظيع أن يقبل الإنسان على سبح النهار الطويل ويخوض لججه من دون إعداد كاف ، وإن الإمام عليًّا عليه السلام ليؤكد أن ما يصير إليه المتقون من الفضيلة بالنهار إنما هي ثمرة قيامهم بالليل ، وذلك حينما قال وقد وصف شأنهم بالليل كما سبق : وأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ ، قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى ومَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ ، ويَقُولُ : لَقَدْ خُولِطُوا ، ولَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ ، لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ ولَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ ، فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ ومِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ ، إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ : أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ورَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي ، اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ واجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ واغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ ] « 1 » . الرأي الثاني : السبح بمعنى الفراغ والفرصة ، قال الجبائي : إن فاتك شيء بالليل فلك

--> ( 1 ) نهج البلاغة : خطبة : 193 .